ابن كثير

287

البداية والنهاية

أسرهم أن أهل قرية فأرا ( 1 ) كانوا يأخذونهم فيحملونهم إلى الفرنج فيبيعونهم منهم ، فعند ذلك ركب السلطان قاصدا فأرا ( 1 ) فأوقع بهم بأسا شديدا وقتل منهم خلقا كثيرا ، وأسر من أبنائهم ونسائهم أخذا بثأر المسلمين جزاه الله خيرا ، ثم أرسل السلطان جيشا هائلا إلى بلاد سيس ، فجاسوا خلال الديار وفتحوا سيس عنوة ( 2 ) وأسروا ابن ملكها ( 3 ) وقتلوا أخاه ونهبوها ، وقتلوا أهلها وأخذوا بثأر الاسلام وأهله منهم ، وذلك أنهم كانوا أضر شئ على المسلمين زمن التتار ، لما أخذوا مدينة حلب وغيرها أسروا من نساء المسلمين وأطفالهم خلقا كثيرا ، ثم كانوا بعد ذلك يغيرون على بلاد المسلمين في زمن هولاكو فكبته الله وأهانه على يدي أنصار الاسلام ، هو وأميره كتبغا ، وكان أخذ سيس يوم الثلاثاء العشرين من ذي القعدة من هذه السنة ، وجاءت الاخبار بذلك إلى البلاد وضربت البشائر ، وفي الخامس والعشرين من ذي الحجة دخل السلطان وبين يديه ابن صاحب سيس وجماعة من ملوك الأرمن أسارى أذلاء صغرة ، والعساكر صحبته وكان يوما مشهودا . ثم سار إلى مصر مؤيدا منصورا ، وطلب صاحب سيس أن يفادي ولده ، فقال السلطان لا نفاديه إلا بأسير لنا عند التتار يقال له سنقر الأشقر ، فذهب صاحب سيس إلى ملك التتر فتذلل له وتمسكن وخضع له ، حتى أطلقه له ، فلما وصل سنقر الأشقر إلى السلطان أطلق ابن صاحب سيس . وفيها عمر الظاهر الجسر المشهور بين قرارا ودامية ، تولى عمارته الأمير جمال الدين محمد بن بهادر وبدر الدين محمد بن رحال والي نابلس والاغوار ، ولما تم بناؤه اضطرب بعض أركانه فقلق السلطان من ذلك وأمر بتأكيده فلم يستطيعوا من قوة جري الماء حينئذ ، فاتفق بإذن الله أن انسالت على النهر أكمة من تلك الناحية ، فسكن الماء بمقدار أن أصلحوا ما يريدون ، ثم عاد الماء كما كان وذلك بتيسير الله وعونه وعنايته العظيمة . وفيها توفي من الأعيان : أيد غدي بن عبد الله الأمير جمال الدين العزيزي ، كان من أكابر الامراء وأحظاهم عند الملك الظاهر ، لا يكاد الظاهر يخرج عن رأيه ، وهو الذي أشار عليه بولاية القضاة من كل مذهب قاض على سبيل الاستقلال وكان متواضعا لا يلبس محرما ، كريما وقورا رئيسا معظما في الدولة ، أصابته جراحة في حصار صفد فلم يزل مريضا منها حتى مات ليلة عرفة ، ودفن بالرباط الناصري بسفح قاسيون من صلاحية دمشق رحمه الله .

--> ( 1 ) في تاريخ أبي الفداء : قارا ، وفي معجم البلدان : قارة : وهي قرية كبيرة على قارعة الطريق وهي المنزل الأول من حمص للقاصد إلى دمشق وهي كانت آخر حدود حمص وما عداها من أعمال دمشق . وأهلها كلهم نصارى . ( 2 ) أسر الملك ليفون بن هيثوم . ( 3 ) في بدائع الزهور 1 / 1 / 325 : سلموا المدينة بالأمان .